الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
479
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ليست كحدائق وبساتين هذه الدنيا ونعمها الزائلة ، لأن الشئ الذي يقلق الإنسان فيما يتعلق بنعم هذه الدنيا الكثيرة هو زوالها في النهاية ، إلا أن مثل هذا القلق بالنسبة لنعم الجنة لا معنى له ( 1 ) . كلمة ( عباده ) تعني عباد الله المؤمنين ، لا جميع العباد ، والتعبير ( بالغيب ) الذي جاء بعدها يعني غيبته واختفاءه عن نظرهم إلا أنهم يؤمنون به . وفي الآية ( 30 ) من سورة الفجر نقرأ أيضا : فادخلي في عبادي وأدخلني جنتي . ويحتمل أيضا في معنى الغيب أن نعم الجنة على هيئة لم ترها عين ، ولم تسمع بها أذن ، ولم تخطر على فكر وقلب بشر ، وبكلمة واحدة : إنها غائبة عن حسنا وإدراكنا ، عالم أسمى وأوسع من هذا العالم ، ونحن لا نرى منها إلا شبحا من بعيد بعين الروح والقلب . ثم تشير بعد ذلك إلى نعمة أخرى من أكبر نعم الجنة فتقول : لا يسمعون فيها لغوا فلا كذب ، ولا عداء ، لا تهمة ولا جرح لسان ، لا سخرية ولا حتى كلام لا فائدة فيه ، بل الشئ الوحيد الذي يسمعونه هو السلام إلا سلاما . " السلام " بالمعنى الواسع للكلمة ، والذي يدل على سلامة الروح والفكر واللسان والسلوك والعمل . السلام الذي جعل ذلك الجو وتلك البيئة جنة ، واقتلع كل نوع من الأذى منها . السلام الذي هو علامة على المحيط الآمن ، المحيط الملي بالصفاء والعلاقة الحميمة والطهارة والتقوى الصلح والهدوء والاطمئنان . وفي آيات أخرى من القرآن جاءت هذه الحقيقة أيضا بتعبيرات مختلفة ، ففي الآية ( 73 ) من سورة الزمر نقرأ : وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين . وفي الآية ( 34 ) من سورة ق : ادخلوها بسلام ذلك يوم
--> 1 - ( عدن ) في اللغة بمعنى الإقامة ، وهنا تعطي هذا المعنى ، بأن ساكني تلك الجنان سيكونون مقيمين فيها دائما .